ابن تغري
181
المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي
القلعة ، ولا يمكّن من المبيت « 1 » بالقاهرة . وكان الملك الناصر حبسه في أول سلطنته ؛ فسعى له مملوكه بيليك مع طغاى الكبير حتى أخرجه السلطان وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف ، وزيادة عشرين « 2 » . وعظم عند الناصر ، وصار يجلس رأس الميسرة . وكان لا يلبس قباء مطرزا ، ولا يدع عندة أحدا يلبس ذلك . وكان أحمر الوجه منوّر الشيبة كريما جدا ، واسع النفس على الطعام . حكى أن استاداره قال له يوما : يا خوند ! هذا السكر الذي يعمل في الطعام ما يضر إن نعمله غير مكرر ؟ فقال : لا ؛ فإنه يبقى في نفسي أنه غير مكرر ، فلا تطيب . توفى بالقاهرة في أوائل شهر رجب سنة سبع وثلاثين وسبعمائة . وخلّف ولدين أميرين : أمير على ، وأمير محمد . وهو من الأمراء المشهورين بالشجاعة
--> ( 1 ) « يبيت » في ط ، « بيت » في ن . والمقصود : « لا يمكن أيدمر من المبيت إلا في القلعة » هذا ، والمعروف أن الناصر محمد بن قلاوون هو الذي عمر الطباق بساحة الأيوان بالقلعة ، وأسكن المماليك بها ، عمر وخصص حارة لهم ، كما سمح لهم بالنزول إلى الحمام يوما واحدا في الأسبوع ، فكانوا ينزلون إليها بالنوبة مع الخدام ، ثم يعودون أخر النهار . فلما تسلطن الأشرف خليل بن قلاوون سمح لهم في النزول من القلعة في النهار على أن يبيتوا بالقلعة ، فكان الواحد لا يقدر أن يبيت إلا بها . ولم يزل هذا الرسم مراعا حتى زالت دولة بنى قلاوون . فلما كانت دولة الظاهر برقوق راعى ذلك بعض الشئ في سلطنته الأولى - والتي زالت في سنة ( 791 ه / 1388 م ) . فلما كانت سلطنته الثانية رخص المماليك في سكنى القاهرة ، وفي التزوج من أهلها ( فنزلوا من الطباق من القلعة ونكحوا نساء أهل المدينة وأخلدوا إلى البطالة ) الخطط ، ج 2 ، ص 212 - 213 ، نبيل محمد عبد العزيز : نهاية السؤل ، ق 16 ، 25 - 26 ( من المقدمة ) . ( 2 ) يقصد « زيادة إمرة عشرين فارسا » ؛ فانظر : النجوم ، ج 9 ، ص 312 ، سنة 737 ه ، الخطط ، ج 2 ، ص 311 .